هبة الله بن علي الحسني العلوي
225
أمالي ابن الشجري
وشبيه بهذا وضع الجارّ في موضع الجارّ ، لاتفاق الفعلين في المعنى ، كقوله تعالى : مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ « 1 » والجاري على ألسنتهم : ظفرت به ، وأظفرنى اللّه به ، ولكن جاء أظفركم عليهم ، محمولا على أظهركم عليهم « 2 » . ومن « 3 » زعم أنه كان حقّ الكلام : « لا تعد عينيك عنهم » لأن « تعدو » متعدّ بنفسه ، فليس قوله بشئ ، لأنّ عدوت وجاوزت بمعنى ، وأنت لا تقول : جاوز فلان عينيه عن فلان ، ولو جاءت التّلاوة « 4 » بنصب العينين ، لكان اللفظ بنصبهما محمولا أيضا على : لا تصرف عينيك عنهم ، وإذا كان كذلك فالذي وردت به التلاوة من رفع العينين يؤول إلى معنى النّصب فيهما ، إذ كان لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ بمنزلة لا تنصرف عيناك عنهم ، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم : لا تصرف عينيك عنهم ، فالفعل مسند إلى العينين وهو في الحقيقة موجّه إلى النبىّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كما قال : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ « 5 » فأسند الإعجاب إلى الأموال ، والمعنى لا تعجب يا محمد بأموالهم . فتبيّن ما ذكرته في هذا الفصل ، فإذا عرفته عرفت جهل الذي زعم أنه كان حقّ العينين في الآية النصب .
--> - وزدت « به » الأخيرة منه . وقد حكى البغدادىّ كلام ابن الشجري هذا بشئ من التصرف . الخزانة 8 / 198 . ( 1 ) سورة الفتح 24 . ( 2 ) حكى ابن الجوزىّ في زاد المسير 7 / 439 : « ظفرت بفلان ، وظفرت عليه » ، وهو في اللسان ( ظفر ) عن الأخفش ، فلا حمل إذن ، وإنما الفعل يتعدّى بالباء ، كما يتعدّى بعلى . ( 3 ) من هنا إلى آخر الفقرة حكاه الزركشي في البرهان 3 / 340 ، عن ابن الشجري ، وحكى معظمه القرطبي 10 / 391 ، دون عزو . ( 4 ) جاءت في الشواذّ . قرأ الحسن : « ولا تعد عينيك » بضمّ التاء وسكون العين وكسر الدال المخففة . قال ابن جنى : « هذا منقول من : عدت عيناك ، أي جاوزتا ، من قولهم : جاء القوم عدا زيدا ، أي جاوز بعضهم زيدا ، ثم نقل إلى أعديت عيني عن كذا ، أي صرفتها عنه » . وقرئ أيضا في الشواذّ عن عيسى والحسن وَلا تَعْدُ بالتشديد . المحتسب 2 / 27 ، ومختصر في شواذ القراءات ص 79 ، وتفسير القرطبي . ( 5 ) سورة التوبة 55 ، وانظر أيضا الآية 85